في محاكمة المتهمين في أحداث القرارة

النيابة تتساءل :

ما هي الجهات التي أصبحت تقف وراء مثل هذه الأحداث؟

مثل أمام محكمة الجنايات في غرداية في اليوم الثالث من افتتاح دورتها وبرئاسة القاضي السيد معمري المتهمون الخمسة بجناية الحرق العمدي لأملاك الدولة والتعدي على ملك الغير, التجمهر المسلح والتحريض عليه, السرقة المقترنة بظروف الليل والتعدد والكسر, والضرب والجرح العمدي بسلاح أبيض في أحداث القرارة يومي 22 و23 أكتوبر من السنة الفارطة, أي بعد أيام قليلة من أحداث غرداية التي بدأت تعرف آنذاك هدوء نسبيا ليفاجأ المواطن الغرداوي بنشوب نفس الأحداث وبنفس الطريفة العشوائية والغريبة في الاعتقال بدليل أنه تم تقسيم الموقوفين فيها إلى مرتكبين للجنح التجمهر وآخرون كيفت أفعالهم على أنها جناية الحرق العمدي... إلى آخر نص التهمة الطويلة والعريضة أي أن نفس سيناريو غرداية أعيد في القرارة بعد أيام فهل هذا يعني أن مدبري أحداث غرداية هم نفسهم المخططون لأحداث القرارة...؟

بعد أربع ساعات من المداولات وعكس مطلب النيابة التي تدين بالإعدام لكل المتهمين الخمسة أعلنت هيئة محكمة الجنايات لمجلس قضاء غرداية عن حكمها على هؤلاء المتهمين الموقوفين إثر الأحداث الأخيرة ليوم 23 أكتوبر الماضي بأربعة أشهر حبس نافذ في حق كل منهما إثر تكييف التهمة من جناية إلى تهمة وبهذا الحكم يتم الإفراج بعد قليل على المتهمين الخمسة باعتبار أنهم سبق وأن استكملوا فترة الحبس المحددة في الحكم الصادر هذا الصباح.

وحسب محامية المتهمين الأستاذة : أحمد مردوخ سامية فإن هيئة الدفاع لم تكن تتوقع أن يصدر الحكم بإدانة المتهمين بتهمة التجمهر لكون هذه الأخيرة لم تتوفر إطلاقا شروط قيامها ولكن 4 أشهر نافذة في جنحة أفضل من أن تصدر الحكم يدينهم بجناية وعندها ستكون العقوبة قاسية وأشد.

وأضافت الأستاذة أحمد مردوخ أن مدة أربعة أشهر قد استنفذها المتهمون في الحبس المؤقت فسيتم الإفراج عنهم اما بشأن التعويض عن مدة الشهر الزائدة الذي قضوه المتهمون في الحبس فهذا غير ممكن حسب التشريع الجزائري.  

بدأت المحاكمة كالعادة باستجواب المتهمين للتعرف على هويتهم, ليتم بعد اختيار المحلفين عن طريق القرعة وتلاوة قرار الإحالة من طرف كاتب الضبط في الجلسة جرت وقائع المحاكمة بسماع المتهمين الخمسة نورد أهم ما جاء في الاستجواب ما يلي:

المتهم الأول: (ش, س)

س-  أين كنت في ليلة نشوب تلك الأحداث؟

ج- كنت في المنزل ثم خرجت بعد ذلك لأبحث عن أخي

س- كم يبعد منزلك عن مكان الأحداث؟

ج- حوالي 3 كيلومتر

س- كم كانت الساعة عندما خرجت من منزلكم؟

ج- خرجت في حوالي الساعة الحادية عشر ليلا

س- وكم كانت الساعة عندما ألقي عليك القبض؟

ج- لا أعرف بالضبط

س- وما هو سبب نشوب هذه الأحداث؟

ج- لا أعرف فلم تكن لي أية علاقة بها

س- إلى حد الآن أنت لا تعرف؟

ج- لا, في ذلك الوقت لم أكن أعرف, أما فأنا على علم بما حدث, إذ كان السبب هو نشوب مواجهات بين بعض أعوان الأمن وجماعة اليقظة.

المتهم الثاني: ( ح, م )

س- أين كنت عندما نشبت الأحداث؟

ج- كنت خارج المدينة مع أخي وعندما رجعنا في حدود الواحدة والنصف صباحا وجدنا حشد كبير من المواطنين مجتمعين, وحاولنا إبعاد سيارتنا من هذا الجمع, لنجد أنفسنا بعد ذلك في قبضة مصالح الأمن.

ونفس الأمر بالنسبة لأخيه المتهم ( ح, ح ) الذي كان مع أخيه وذكر أنه ليست له أية علاقة بهذه الأحداث ونفى التهمة المنسوبة إليه.

أما بخصوص المتهم الرابع: ( م, ب ) فنورد أهم ما ذكره

س- ما هو ردك على التهم المنسوبة إليك؟

ج- كنت خارجا من المسجد بعد الصلاة ورأيت جماعة من الناس محتشدة  تتراشق بالحجارة وقد رشقت أنا أيضا حجارة أو اثنتين فقط ولم أصب بها أي أحد

س- والمصلي كشخص تقي يشارك في عملية التخريب؟

ج- لا, لم أخرب, وإنما رشقت حجارة أو اثنتين فقط

س- وكم كانت الساعة آنذاك؟

ج- كانت التاسعة ليلا.

المتهم الخامس: ( أ, إ )

س- أنت طالب جامعي؟

ج- نعم

س- ماذا كنت تفعل من الساعة العاشرة إلى الحادية عشر في ليلة نشوب الأحداث؟

ج- كنت في منزلي.

س- أي أنك لم تخرج أصلا المنزل رغم تلك الأحداث؟

ج- نعم لم أخرج, وإنما كنت أطل من النافذة, وانتظرت حتى انتهت الأحداث فخرجت فألقوا علي القبض.

وبعد استجواب المتهمين والسماع إلى الضحايا الثلاثة من أعوان الأمن الذين امتثلوا كطرف مدني أمام العدالة كضحايا تعرضوا حسبهم لإصابات خفيفة على مستوى الرجل في هذه الأحداث من جراء التراشق بالأحجار تأتي مرافعة محامي الطرف المدني التي تأسف فيها الأستاذ عن حدوث مثل هذه الأحداث التي تكرس لثقافة العنف والشغب والفوضى وهذا ما جعله يتساءل في العديد من المرات عن الجهات المستفيدة من مثل هذه التجاوزات التي من الأكيد أن الخاسر الأكبر فيها هو المواطن قبل أي أحد آخر كون في الكثير من المرات تكون مؤسسات الشعب هي المستهدفة, ففي هذه الأحداث مثلا يذكر المحامي بأنها كانت وراء تسجيل خسائر فادحة تقدر ب2 مليون دينار جزائري لترميم مقر فرع محكمة القرارة المتضرر من جراء هذه الأحداث الأخيرة, ليتساءل بعدها من المستفيد من تخريب مادامت المحكمة مرفق عام, وهذا كله بسبب خلاف نشب بين رجال الأمن وجماعة اليقظة, ليذهب كضحية في الأخير 13شرطيا بسبب الرشق بالحجارة, وأضف إلى ذلك أن كل هذه الوقائع حصلت في شهر الرحمة, ليذكر في الأخير بأن دور ومهنة الشرطي تظل مهمة للحفاظ على الأمن حيث أنه لولا تدخلها رفقة عقلاء مدينة القرارة لأخذت الأحداث منعرجا آخر ولوقعت أمورا لا تحمد عقباه.

فيما يتعلق بقضية المتهمين, فمن خلال تصريحاتهم يشيرون بأنهم لم يخرجوا في تلك الليلة إلا من أجل قضاء حاجياتهم وأنهم لم يشاركوا في هذه الأحداث ليجدوا أنفسهم في قبضة رجال الأمن على الساعة الثانية صباحا, فالشقيقان كانا يحاولان إبعاد سيارتهم, والمتهم (ش, س) هو الآخر صرح بأنه لم يكن حاضرا في وسط جمع المتظاهرين, ومتهم واحد كان صريحا في تصريحاته وهو (م, ب) واعترف فعلا أنه ارتكب أفعال وشارك في التجمهر ورشق أفراد الشرطة.

- فالأضرار التي لحقت فرع محكمة القرارة كمؤسسة عمومية في خدمة الشعب, ومخطط الصور يظهر الأضرار سواء من حرق المكاتب أو التأثيث الموجود بالمكاتب, وكذا الأضرار التي لحقت بمقر الشرطة وما تعرض له أعوان الشرطة كلها ثابتة في ملف القضية ومدة العجز بين يومين وخمسة أيام, وفرع محكمة القرارة كذلك تعرض لسرقة مكيفين, هذه الأضرار التي نتجت عن أعمال العنف.  

و السؤال الكبير المطروح ما هي دوافع هذا التخريب, فأجاب (ش, س) بأنه سمع بأن النزاع بين جماعة الشرطة وجماعة اليقظة ولا ندري هل هذه الأخيرة هو انتماء عاطفي أو مذهبي, لكن الذي توصلنا إليه أن السبب هو نزاع بين مواطنين أحدهما ضرب الآخر ولم يؤخذ الأمر بالجدية اللازمة, فأول ما كلفت بالملف بحثت هل هذه الفوضى التي كانت امتدادا لأحداث غرداية توصلت إلى أنها كانت منفصلة عن أحداث غرداية, ما نلاحظه مؤخرا أن كل مواطن يرى تصرفا ما غير صائب وضد مصلحته ويثور ضد المؤسسات وليس ضد العاملين بها انتهاجا للأساليب القانونية, فأين هي المصلحة وما هو الهدف المنشود؟ فإذا كان الهدف هو توصيل الانشغال إلى السلطات العليا فليس هذا هو السبيل الصحيح إلى ذلك, فمؤسسات الدولة قائمة بذاتها وإذا تجاوز موظف صلاحياته فهناك جهات تتولى هذا الأمر, وإذا كان أفراد الشرطة قد تعاملوا مع المواطن المشتكى منه بنوع من المحاباة والتساهل فهناك مسؤولون لهؤلاء الأفراد وهناك وكيل جمهورية للنظر في هذه الأشياء, فأنا أقول أن الوسيلة المناسبة في الطريق القانوني والمحاكم مفتوحة للجميع, فإذا كان محافظ شرطة تعسف فهناك وكيل الجمهورية أو النائب العام وليس بالتخريب.

شيء ثان في الملف وهو أن جميع المتهمين لهم مقر إقامة أو عمل خارج القرارة بحكم عملهم, ويجتمعون في هذا اليوم بالذات بالصدفة, وبالصدفة في مكان الجريمة وأيضا يتم القبض عليهم بالصدفة كما يقولون.

أركان الجريمة موجودة في التخريب الذي لحق بالمحكمة والسرقة كذلك, فالدولة مازالت قائمة ولها مؤسسات وأنها تمشي في مسار صحيح تحارب كل مظاهر الفساد سواء كانت على مستويات دنيا أو أخرى, فالمشرع كان صارما وبحق في المعاقبة على مثل هذه الأفعال وقد التمس على إثر ذلك تطبيق المادة 396 مكرر التي تنص على عقوبة الإعدام.

 أوضحت محامية المتهم (ش, سليمان) بأن أركان التهمة التي المتابع فيها موكلها غير ثابتة بدليل أن ذات المتهم لم يخرج من المنزل إلى غاية الساعة الحادية عشر ليلا وأثناء عودته من جديد إلى المنزل تم القبض عليه, في حين أن أعمال الحرق بدأت في الساعة الثامنة ليلا, وأيضا في الساعة التاسعة أصيب أعوان الشرطة, وأضاف دفاع المتهم (ش, سليمان) أن موكلها لم يكن في مسرح الجريمة بدليل أنه لم يكن أمام مقر المحكمة, وحتى إلقاء القبض عليه تم في مكان بعيد عن مكان وقوع الأحداث, كما أبرز دفاع المتهم بأنهم لم يضبط عند موكلها أي مكيف فما بالك بمكيفين وهو ما يؤكد عدم ثبوت جناية السرقة في حق المتهم, وأضافت محامية المتهم (ش, سليمان) بأن موكلها لم يجدوا عنده أي سلاح أبيض أو أي وسيلة للتحريض سواء كانت مطبوعات أو مكبرات للصوت, وختمت محامية الدفاع بقولها أن موكلها قد أنكر في كل المحاضر التهم المنسوبة إليه وبمحض الصدفة تم القبض عليه بعيدا عن مسرح الأحداث, كما تعجبت مما جاء في تقرير البحث الاجتماعي الذي خلص إلى أن موكلها سيء الخلق وتمنت لو كان البحث قد جرى في باتنة وليس في القرارة كون المتهم هو تاجر في باتنة التي انتقل إليها للعمل منذ أن كان صغيرا وقلما ولا يأتي إلى القرارة إلا في المناسبات, وفي الأخير التمس دفاع المتهم (ش, سليمان) لموكلها البراءة.

وفي مرافعة دفاع المتهمين أوضح الأستاذ المحامي أن ما وقع في القرارة ليس تجمهرا كما هو مشار إليه في الملف بل هو عبارة عن فلتان أمني, ومحكمة غرداية قد باشرت الملف الذي أشعل فتيل هذه الأحداث في رمضان وكنت قد توليت شخصيا الدفاع عن الضحايا إذ تم في النهاية إدانة الأشخاص المتسببون, كما اعتبر محامي المتهمين أن أعوان الأمن في القرارة لم يكونوا مؤهلين وأكفاء في تعاملهم مع هذه الأحداث مبرزا أن عون الأمن ربما ولكونه بعيدا عن مركز الأمن بغرداية وبالإضافة إلى عدم الخبرة تصرف برعونة وارتجال إزاء هذه الأحداث, وهو أمر أكد بشأنه نفس المحامي أنه يشمئز له تماما كما يشمئز لما تعرض له أعوان الأمن من رشق للحجارة والإصابات التي تعرضوا لها جراء ذلك, وأضاف يجب علينا أن نحاكم من تسبب في هذا الوضع ولكن وبعد عجز معين يؤتى بأناس أبرياء ويقال لنا بأنهم هم السبب في نشوب الأحداث, كما يضيف الدفاع بأن المواطن لما يلقن الآليات القانونية وجب على عون الأمن أن يسلك الآليات القانونية ودون تصرف ملؤه العنف, كما وصف نفس المحامي طلبات النيابة بالمحتشمة والمبهمة واعتبر أن الاتهام مهلهل وينص على عبارات تثبت بأن هؤلاء المتهمين مشكوك فيهم ولا يعرف هل قاموا بهذه الأفعال المنسوبة إليهم أم لا وأحيانا ينص على عبارات غير قانونية أصلا, كما أن الضحايا حسب المحامي "لم يصرحوا لنا بشيء يمكننا من وضع قرائن قانونية على أساسه", وقد رافع نفس المحامي عن الفضائل العلمية والثقافية التي يتميز بها مجتمع بالقرارة وذهب إلى حد التذكير بالزيارة الأخيرة لرئيس الجمهورية التي أبدى إعجابه بهذه المنطقة حسبما جاء في مرافعة المحامي, وفي الأخير طلب الدفاع من هيئة المحكمة ضرورة الاحتكام إلى ضميرها ومدى اقتناعها الشخصي حسبما ينص عليه القانون والتفكر بروية قبل إصدار الحكم وأن الخطأ في البراءة خير من الخطأ في الإدانة, ليلتمس البراءة التامة لموكليه.

- بعد نهاية المرافعات انصرفت هيئة المحكمة للمداولة القانونية التي استغرقت ما يقارب ساعة لوضع الأسئلة للمتهم (ش, سليمان) التي جاءت في معظمها تبرئه من التهم المنسوبة إليه وكذا رفقة المتهمين الذين أدينوا بتهمة التجمهر المسلح ليحكم عليهم بسبب هذه التهمة بأربعة أشهر حبسا نافذة وهي المدة التي كان المتهمون قد قضوها في الحبس المؤقت, وبالتالي تم خلال نفس اليوم الإفراج عنهم, وقد أبدى العديد من أقارب المتهمين ارتياحهم لمضمون الحكم رغم أنه يدين المتهمين بصفة التجمهر التي لم تتوفر شروطها.  

محكمة الجنايات / ح.داوود نجار

                     ك. فيصل


 

أحـــــــداث وقضــــايا

تداعيات أحداث ورقلة: البراءة لحفناوي غول

قضيـــــــة الطبيب المزيف بمستشفى آفلــــو

متقاضون وأبرياء يعتبرون في نظر بعض رجال القانون مجانين

سابقة خطيرة: محامي يهدد مدير تحرير الواحة بالقتل